الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عندهم على الآية ، ونحاة الكوفة يجوّزونه ولو لم تطل الصلة ، كما في الآية ، وقد ادّعى الفرّاء : أنّ الذي يكون موصولا حرفيا مؤوّلا بالمصدر ، واستشهد له بهذه الآية ، وهو ضعيف . ولمّا وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم للتنبيه على أنّهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم ، فقال تعالى : أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وفيه تعريض بأنّ الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك ، وفي هذا التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم . والخوض : تقدّمت الحوالة على معرفته آنفا . والحبط : الزوال والبطلان ، وتقدّم في قوله تعالى : فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ في سورة البقرة [ 217 ] . والمراد بأعمالهم : ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه : من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما ، ومعنى حبطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب بأولئك الأمم ، وفي الآخرة بعدم تعويضها لهم ، كقوله تعالى : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ [ مريم : 80 ] - أي في الدنيا - وَيَأْتِينا فَرْداً [ مريم : 80 ] - أي في الآخرة - لا مال له ولا ولد ، كقوله : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [ الحاقة : 28 ، 29 ] . وفي هذا كلّه تذكرة للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بأن لا يظنّوا أن اللّه لمّا أمهل المنافقين قد عفا عنهم . ولمّا كانت خسارتهم جسيمة جعل غيرهم من الخاسرين كلا خاسرين فحصرت الخسارة في هؤلاء بقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قصرا مقصودا به المبالغة . وإعادة اسم الإشارة للاهتمام بتمييز المتحدّث عنهم لزيادة تقرير أحوالهم في ذهن السامع . [ 70 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 70 ] أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 ) عاد الكلام على المنافقين : فضمير أَ لَمْ يَأْتِهِمْ و مِنْ قَبْلِهِمْ عائدان إلى